الآلوسي

178

تفسير الآلوسي

رعب السيل الوادي إذا ملأه كأن السيل قطع السلوك فيه أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات ، وجعلوا قوله سبحانه وتعالى : * ( فاضْربُوا ) * الخ تفسيراً لقوله تبارك وتعالى : * ( فثبتوا ) * مبين لكيفية التثبيت . وقد أخرج عبد بن حميد . وابن مردويه عن أبي داود المازني قال : بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلاً يقول : أقدم حيزوم فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه فجاء فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة . وجوز بعضهم أن يكون التثبيت بما يلقون إليهم من وعد النصر وما يتقوى به قلوبهم في الجملة ، وقوله سبحانه وتعالى : * ( سألقي ) * ( الأنفال : 12 ) الخ جملة استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنه مصدقه ومبينه لإعانته إياهم على التثبيت ، وقوله سبحانه وتعالى : * ( فاضربوا ) * الخ جملة مستعقبة للتثبيت بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ ، وكأن المعنى أني معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا . وجىء بالفاء للنكتة المذكورة ، ووسط * ( سألقء ) * تصديقاً للتثبيت وتمهيداً للأمر بعده ، وعلى الاحتمالين تكون الآية دليلاً لمن قال : إن الملائكة قاتلت يوم بدر ، وقال آخرون : التثبت بغير المقاتلة ، وقوله عز وجل : * ( سألقي ) * تلقين منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسير للتثبيت أو استئناف بياني ، والخطاب في * ( فاضربوا ) * للمؤمنين صادراً من الملائكة حكاه الله تعالى لنا ، وجوز أن يكون ذلك الكلام من جملة الملقن داخلاً تحت القول ، كأنه قيل : قولوا لهم قولي * ( سألقي ) * الخ ، أو كأنه قيل : كيف نثبتهم ؟ فقيل : قولوا لهم قولي * ( سألقي ) * الخ ، ولا يخفى أن هذا القول أضعف الأقوال معنى ولفظاً . وأما القول بأن * ( فاضربوا ) * الخ خطاب منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال ، وأنى ذلك ؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة ، وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة * ( فَوْقَ الأَعْنَاق ) * أي الرؤوس كما روي عن عطاء . وعكرمة ، وكونها فوق الأعناق ظاهر . وأما المذابح كما قال البعض فإنها في أعالي الأعناق و * ( فوق ) * باقية على ظرفيتها لأنها لا تتصرف ؛ وقيل : إنها مفعول به وهي بمعنى الأعلى إذا كانت بمعنى الرأس ، وقيل : هي هنا بمعنى على والمفعول محذوف أي فاضربوهم على الأعناق ، وقيل : زائدة أي فاضربوا الأعناق * ( واضْربُوا منْهُمْ كُلَّ بَنَان ) * . قال ابن الأنباري : البنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين والواحدة بنانة وخصها بعضهم باليد . وقال الراغب : هي الأصابع وسميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي بها يمكن للإنسان أن يبن أي يقيم من أبن بالمكان وبن إذا أقام ، ولذلك خص في قوله سبحانه وتعالى : * ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) * وما نحن فيه لأجل أنهم بها يقاتلون ويدافعون ، والظاهر أنها حقيقة في ذلك ، وبعضهم يقول : إنها مجاز فيه من تسمية الكل باسم الجزء . وقيل : المراد بها هنا مطلق الأطراف لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل . والمراد اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وآثره في " الكشاف " . وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها لجسد كله في لغة هذيل ، ويقال فيها بنام بالميم وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره و * ( منهم ) * متعلق به أو بمحذوف